Friday, January 8, 2016

(28) نحَسَ



لم يكن هناك موضع لقدم على السفينه على الرغم من كبر حجمها .... كان يوما ربيعى رائع من أيام شهر يونيو .... الجميع
على سطح السفينه يلتقطون الصور لغروب الشمس .... صخب وضجيج وصياح وأطفال تجرى هنا وهناك .... والجميع يتحركون فى كل إتجاه .... 
ماعدا هى .... 
كانت جالسه على ظهر أحد المقاعد ... ناظره إلى الافق البعيد غير مكترثه بأحد .... 
هناك أناس يمرون بجوارك ولا تراهم .... وهناك أناس تلاحظهم من بين الألاف .... وهناك اناس لا يمكنك ان تتوقف عن
النظراليهم ....  أو أن ترفع عينيك عنهم .... 
كانت هى من هذا النوع الاخير ... قوام نحيف ممشوق ... شعر اسود مجعد كثيف وطويل ... عينان سوداويتان واسعتان ....
قمحيه اللون .. وبشرتها تلمع وكأنها تمثال من المرمر ..... لم تكن جميله .. ولكنها كانت فاتنه جذابه بشكل غير عادى ..
كان من الواضح أنها لاتريد التحدث الى أحد ولا تريد لأحد أن يتحدث إليها ... أربعه ساعات لم تتحرك فيهم من مكانها ... وأنا
لا أستطيع أن أرفع عيناى عنها .... حتى رسونا فى الميناء ...
فقدتها وسط الزحام ونحن نغادر السفينه ... ولكنى سرعان ما وجدتها أمامى متوجهه إلى موقف الحافلات ... كانت تجر ورائها
حقيبه برتقاليه اللون غريبه الشكل ....
كانت الساعه قد جاوزت الحاديه عشر والنصف مساء .... ولم يتبقى سوى حافله واحده ذاهبه إلى المطار .... ومن المطار
ستكون هناك حافلات أخرى ذاهبه إلى وسط المدينه ....
جلست فى الخلف بمفردى بينما كانت هى تجلس بالأمام .... لدى وصولنا للمطار وبينما الراكبين يغادرون الحافله ...
شاهدتها تتحدث إلى السائق الذى أشار لها بيده فغادرت مسرعه .... كانت تتجه إلى باب المطار حيث يجب أن تهبط إلى الدور
الأسفل حيث الحافلات الذاهبه إلى وسط المدينه .... خيل إلى أنها نسيت حقيبتها البرتقاليه ... لم أكن واثقا ....
كنت أخر من غادر الحافله ... إنحنيت لأخد حقيبتى من مكان الحقائب فوجدت الحقيبه البرتقاليه لازالت فى مكانها .... ذهبت إلى
السائق وأخبرته أن أحدهم نسى حقيبته وأنا أعرفه .... توقعت أن يقول لى أتركها حتى يأتى صاحبها ... ولكنه سمح لى أن
أخذها لصاحبها لأنه يجب أن ينصرف بالحافله فى الحال .... لم أصدق أن الحظ يمكن أن يبتسم لى هكذا فجأه ...
خطوت نحو باب المطار وأنا غير مصدق أننى سأتحدث إليها ... كنت أسمع دقات قلبى .... ماهى إلا خطوات حتى وجدتها تصعد
السلم بسرعه لكى تلحق بالحافله ... فناديتها وناولتها الحقيبه ....

- إلتقطتى أنفاسك ... هاهى حقيبتك ... لقد أحضرتها لك ...
- أوه ... لا أصدق أنى نسيتها .... شكرا جزيلا لك .... حقيقتا ....
  هل أنت ذاهب إلى وسط المدينه ؟
- نعم ...
- فلنسرع إذن لنلحق بالحافله ...
- لا تقلقى ... هناك حافله كل نصف ساعه ...
- هل أنت من هنا ؟
- لا .... أنا من مصر ...
- هل أنت مسلم ؟
- نعم ...

تغير لونها فجأه وإبتعدت عنى قليلا ....


- أشكرك للغايه لإحضارك لحقيبتى ... ولكنى أريد أن نفترق هنا ...
- لاتقولين لى أنك تصدقين ماتقوله الميديا عن المسلمين .... تبدين إنسانه مثقفه وتعلمين أنه لا علاقه لنا بالإرهاب .... الإرهاب
  صنعته أمريكا ... وهى التى تموله .... وهى الوحيده المستفيده منه ....
- ليته كان الإرهاب فقط ... ولكن كل مايتعلق بإنتهاك حقوق الإنسان يأتى من قبل المسلمين ... تقولون شيئا وتفعلون العكس
  تماما ... فماذا نصدق ... أقوالكم ... أم أفعالكم !!!!
  تلفيق التهم ... الإعتقالات ... الضرب والتعذيب والقتل فى الأقسام والسجون ... كبت الحريات ... تزييف الحقائق ... نشر
  الأكاذيب ... التحرش بالفتيات ... رجم النساء حتى الموت ... ختان البنات .... هل هذه الاشياء تحدث فى الغرب ... أم فقط
  فى البلاد العربيه والإسلاميه !!!!
  لقد درست الرقص الشرقى لأننى راقصه .... ولذلك أعلم الكثير عنكم .....
- لحظه من فضلك .... إنك تخلطين الأمور .... ليس كل مايحدث فى بلاد العرب والمسلمين يمثل تعاليم الإسلام .... وليس كل ما
  يحدث فى الغرب مطابق لتعاليم الديانه المسيحيه ....
  إنتهاك حقوق الإنسان يحدث فى جميع الدول التى لا تطبق فيها الديموقراطيه بشكل صحيح ... حتى الدول الغربيه تحدث بها
  الكثير من التجاوزات .... وهذا ليس له علاقه بتعاليم الإسلام ....
- دعنا نستقل الحافله أولا قبل أن تتحرك ..... هل تعلم أين يقع شارع فيكتوريا ؟ صديقتى تنتظرنى هناك ....
- فيكتوريا ليس شارعا .... أنه ميدان .... وهو مكان خطر فى هذا الوقت من الليل .... 
- سأستقل تاكسيا ...
- دعينى أرافقك إلى هناك ... صدقينى ليس هناك أى مبرر لتخوفك منى .... كل ماأريده هو مساعدتك .....
- أنا لا أخاف منك ... ولكنى لا أريد أن نصبح أصدقاء ... أو أن أتعلق بك ولا أستطيع أن أكون معك ...
- إن كل ماأريده هو أن تمنحينى الفرصه لكى أصحح لك معلوماتك عن المسلمين ... وأن أوضح لك الصوره الحقيقيه لنا ...
- إن هذا بالظبط هو ماأحاول تجنبه .... لأنكم أنتم المصريون تفتنوننى ... وفكرتى السيئه عنكم هى مايحول بينى وبين الإرتباط
  عاطفيا بواحد منكم ... ثم تنقلب حياتى رأسا على عقب ... أنت لا تعرف ماذا سيكون على مواجهته فى بلدتى أو مع عائلتى
  إذا أرتبطت بأحد المسلمين ....
- إذا كان قدرك أن ترتبطى بمسلم ... فلن يستطيع أحد أن يمنع ذلك من الحدوث ...
- أنا اصنع قدرى بنفسى ....

وصلت الحافله إلى وسط المدينه ... وقبل أن أتفوه بكلمه وجدتها تخطف حقيبتها وتسرع بالخروج .... إلتقطها على الفور
سائق تاكسى فذهبت معه .... فقررت أن الحق بها فى محاوله أخيره ....

- أنت لا تعرفين البلده ... ولا تعرفين لغتهم ... والمسافه قريبه جدا .. ولكن هذا السائق سوف يتجول بك المدينه كلها حتى
  يحصل على أجر مضاعف ... دعينى أساعدك ...  
- أشكرك ... سوف أعتنى بنفسى ... طابت ليلتك .


No comments:

Post a Comment