Thursday, January 14, 2016

(31) إسْتِياء


كنت على موعد فى وسط المدينه لمقابله أحد الأصدقاء لتناول القهوه وقضاء بعض الوقت معا .... دائما أحب الذهاب إلى وسط
المدينه سيرا على الأقدام ... متخذا طريق الكورنيش ... مستمتعا بهواء البحر ... حتى فى أيام البرد والمطر ....
السير يتيح لى فرصه التفكير والتأمل ... والتدبر ... ومحاسبه النفس ....

تعرفت إلى صديقى هذا عندما كنا نعمل معا فى إحدى الشركات .... كان هو المدير المسئول ... كان الجميع يخافونه ... فهو حاد
الطباع ... لا ينصت إلى أحد ... ولا يعبأ بأحد ... لا يهمه الا تنفيذ أوامر اصحاب العمل فقط ... وعلى الرغم من ذلك لم يقم بإيذاء
أحد أو خصم جزء من مرتب أحد على الأطلاق .... كان يكتفى بالتوبيخ واللوم والصياح ....
الجميع كانوا يكرهونه .. إلا أنا ... كنت أتعاطف معه ... وهو كان يحترمنى ... حتى عندما كنت أخطئ ... كان يحدثنى على إنفراد
وليس أمام الجميع ... وقد أحترمت فيه ذلك ...
عملنا سويا فى ثلاثه أفرع للشركه ... فى ثلاثه مدن مختلفه ... ساعدنا ذلك على التقارب أكثر ... لم نكن أصدقاء بعد ...
بعد ثلاثه سنوات ... أفلست الشركه وأغلقت أبوابها ... وأصبحنا بلا عمل ... كل الذين كانوا يعرفونه لمركزه .. أداروا ظهورهم
له .. وأصبح وحيدا تماما ... حدث تقريبا الشئ نفسه لى ... ولكن ليس بنفس السرعه ... وليس جميع الأصدقاء مره واحده ...
أحسست بأننى يجب على أن أثبت له أننى لست كالأخرين ... وأننى لم أكن أتقرب إليه بسبب مركزه .... فبحثت عنه .. وأصبحت
أزوره ونخرج سويا .... على الرغم من أنه لم تكن بيننا أى صفات مشتركه ... أو حتى تقارب فى الشخصيات ... بل نحن على
النقيض تماما ...
ولكن بمرور الوقت ... أصبح هو الوحيد من بين أصدقائى الذى يواظب على الإتصال بى ويطلب منى الخروج ... كنت فى أول الأمر
أسعد بلقاؤنا .. وأجد فيه متنفس لى ... ولكنى بعد فتره أصبحت أكره لقائه أو الخروج معه ...
ففى كل مره نتقابل فيها يصيبنى الأحباط الشديد ... فهو دائما يسألنى عن أحوالى ... وماأن أحكى له حتى يجعلنى أشعر بأننى
مخطئ فى كل شئ ... فى الطريقه التى أفكر بها ... وفى الطريقه التى أتصرف بها ... ويبدأ فى إلقاء اللوم على ... وإسداء
النصائح إلى ... وأنا لا أحب أن يتدخل أحد فى حياتى .. أو أن يخبرنى أحد ماذا على أن أفعل ... 
أتذكر مره عندما بدأ يتكلم بدون داع وبلا أى مقدمات عن زياده وزنى ... كان يعلم تماما أن السبب هو جلوسى فى المنزل لشهور
طويله ... أخبرته انه بمجرد حصولى على عمل فسوف أعود إلى وزنى الطبيعى ... ولكنه ظل يلقى النصائح ... لقد أصبحت كبيرا
فى السن ... لم تعد شابا ... يجب أن تدرك ذلك ... يجب أن تقلل من كميه طعامك ... يجب أن تلغى وجبه العشاء ... علبه صغيره
من الزبادى تكفى ...... حتى كرهت نفسى ....
ويشاء الله أن أحصل على عمل صيفى ... وقابلته بعد شهرين ... وزنى أصبح أقل من نصف ماكنت عليه ... رفعت قميصى وكشفت
له عن بطنى .... لم ينبس بكلمه ... أفحمه ماأصبح عليه جسدى وأخرسه ... وأحسست بلذه الإنتصار ... وإنتشيت ....

أنه يمتص كل الطاقه الإيجابيه التى لدى ... ويشحن داخلى طاقه سلبيه متشائمه وكارهه لكل شئ ... يأخذ منى الأمل ... ويزرع
فى نفسى الإحباط والياس والقنوط ...
ثم يخبرنى أنه يعرف أن كلامه يضايقنى .. ولكنه يقوله لى من أجل مصلحتى ...
أثور على نفسى ... وأغضب منها غضبا شديدا .... أن أكون وحيدا تماما أفضل عندى مائه مره من أن أكون محاط بمصاصى
الطاقه هؤلاء ... من أن أكون مع أناس عكسى تماما وليس بينى وبينهم أى شئ مشترك ....
أبحث عن وسيله للتهرب منه ... للإختفاء ... لإنهاء هذه العلاقه المزعجه ... والمزعجه جدا ...
ولكنى أعود وأشفق عليه .... وأشفق على نفسى من أن تصيبنى الوحده بالجنون .....

كميه الأصدقاء تتوقف على سنك ومركزك الإجتماعى .... فمادمت شابا ... فإنك لن تعانى من قله الأصدقاء .. أو من عدم إهتمامهم
بك ... أما إذا كنت ذو مركز إجتماعى مهم أو تشغل وظيفه مفيده ... فإن الجميع سوف يتقربون إليك ويسعون إلى صداقتك ....
أما إذا كنت فقيرا ... أو بلاعمل ... أو تجاوز سنك الخمسين من العمر .... فعليك أن تتقبل ماتسمعه ولا تريد أن تصدقه من أنه لا
يوجد أصدقاء حقيقيون ... وأنه ليست هناك صداقه ... وإنما مصلحه ... فقط ..
ستشعر بذلك عندما تجد أنك أصبحت عاجزا عن إختيار أصدقائك ... وأصبحت عاجزا عن إقامه علاقات جديده ... ولم تعد تستطيع
أن تحافظ على علاقاتك القديمه ... 
عندما تجد أنه لم يعد أحد من أصدقاؤك يهتم بك أو بأخبارك ... عندما يتوقف تليفونك عن الرنين ... عندما تتصل بأصدقائك ولا
يرد عليك أحد ....

كل ذلك كان يدور فى رأسى وأنا لازلت أسير فى الطريق لمقابلته .... القرار صعب ... ماذا أختار .... أن أعيش وحيدا ...
أم أن يكون لى صديق يعكر على صفو حياتى بصوره دائمه !!!!

سمعت مره أحدهم يقول  ... أن تكون محفظتك خاليه ... خير لك من أن تملؤها بورق التواليت ...


No comments:

Post a Comment