Friday, December 11, 2015

(11) اِحتِواء


كنت قد لاحظت فى اليومين الأخيرين ان إبنتى ذات الثامنه عشر ربيعا لا تغادر غرفتها الا قليلا جدا بخلاف عادتها فى الخروج كل خمس دقائق هربا من المذاكره ... تاره لتفتح الثلاجه بحثا عن شئ تأكله ثم تغلقها دون أن تأخذ شيئا , وتاره تفتح التلفاز لتقلب جميع القنوات ثم تغلقه دون ان تشاهد شيئا .... وتاره تذهب لغرفه أخيها الصغير لثير غضبه بشئ ما ليبدأ فى الصراخ بينما تفر هى الى غرفتها وتغلق عليها الباب بالمفتاح من الداخل ..... 
قالت لى زوجتى عندما سألتها عنها , انها سمعتها تنتحب فى غرفتها ليلا .. وانها حاولت ان تعرف منها اكثر من مره مابها ..... ولكنها رفضت ان تقول لها ....
قررت ان أذهب الى حجرتها للتحدث معها ....
طرقت الباب وسألتها هى يمكننى الدخول ... كانت هذه المره الاولى التى ادخل حجرتها منذ سنوات طويله ..... تأخرت فى فتح الباب ... تخيلتها وهى تخفى اشياؤها التى لاتريدنى لا اراها فى الدولاب وتحت السرير ......وتحتار ماذا تفعل فى الصور المعلقه على الجدار.......
وابتسمت فى نفسى ...
- أيوه يابابا ....
- ممكن أدخل اشوف اوضتك !!! انا بقالى سنين مادخلتش هنا ....
- اصلها منعكشه شويه ...
- ماهى لازم تكون منعكشه شويتين مش شويه .... انا بس عايز اشوف الصور اللى على الحيطه لزقاهم ...... والا مليتى الحيطه مسامير .... 
- نعم !!!!  .......   معلش خليها مره تانيه يابابا لو سمحت ...
- اصلى كنت بافكر اجيبلك الموبايل الجديد اللى انتى عايزاه ...
- بجد ... بجد والله ...
- لا خليها مره تانيه بقى ...
- لا لا تعالى ... ادخل وأمرى لله ....
نظرت الى الحائط فوجدت صور براد بيت تملئ الجدران كما توقعت .....
- تفتكرى وانا فى سنك .. كنت معلق صور مين على الحيطه ؟؟
- مين ؟؟
- أنجلينا جولى طبعا ...
- ههههههههههههههههههه .. أنجلينا جولى والا فاتن حمامه وزبيده ثروت ...
- مين دول !!!!  ..... إنتى شايفانى عجوز للدرجه دى !! .. المهم .. حاتيجى معايا نروح نشترى الموبايل ؟؟
- دلوقتى ؟؟
- ايوه .. بس بشرط .... نروح مشى ونرجع مشى ... انا طول النهار قاعد فى المكتب وعايز اتمشى شويه ...
- مش مشكله .... اخرج بقى علشان اغير هدومى ....
لم اكن اتخيل اننى سوف اضع ابتسامه على شفتيها بهذه السهوله .... مهما كبرت فى شكلها وجسمها , ستظل طفله بداخلها ..

- فاكره أخر مره خرجنا نتمشى سوا كان عندك كام سنه ؟؟؟
- لا طبعا مش فاكره ..... الكلام ده ييجى من مليون سنه كده هههههههههه
- انا لاحظت انك اليومين اللى فاتوا متضايقه شويه ..... ياترى ايه اللى مضايقك ؟؟؟ ماما مزعلاكى ؟؟
- ابدا يابابا مافيش حاجه ..
- حد فى المدرسه ؟؟
- لا مافيش حاجه ...
- يبقى واحده صاحبتك , بتحب واحد وهو زعلها او سابها .....
حملقت فى إبنتى وهى لانصدق ماسمعته للتو .... كنت ارى فى عينيها الرغبه فى ان تقول لى .... حب ايه ...... انا مااعرفش الحاجات دى ....... ولكنى لم اترك لها فرصه لتقول شيئا ...
- إنتى تعرفى الفرق بين الحب والعشق ؟؟؟ ... الفرق بين كلمه ( LOVE ) وكلمه ( IN LOVE ) ؟؟؟ 
لم تنطق إبنتى ... كانت ملامح الخجل تكسو وجهها .... ولكن نظرات عيناها كانت تقول ... انا مش مطمنالك على فكره ... وقلقانه 
منك ... انت بتجرجرنى فى الكلام ... بس انا مصحصحالك قوى .....
أعرف انها لم تكن لتتصور ان تتكلم فى هذه الموضوعات مع ابيها ... ولكنى كنت أرى انه قد حان الوقت لكى نتحدث معها انا وأمها فيما يشغل تفكيرها ويؤرقها فى هذه السن الحرجه ... حتى تستمد المعلومات منا نحن وليس من اصدقاؤها ... فلا احد يدرى أى مفاهيم خاطئه او منحرفه يمكن ان تسمعها من اصدقاؤها ...
- الحب عطاء وتضحيه ............ انما العشق استئثار وانانيه ...
  اللى بيحب بيدى اكتر مابياخد , بيضحى علشان يشوف حبيبه سعيد , حتى ولو على حساب نفسه ....... انما اللى بيعشق بيبقى
  عايز حبيبه له وبس , مش عايز حبيبه يشوف حد غيره , ولا حد غيره يقرب من حبيبه , أنانيه وغيره وحب إمتلاك ....
  انتى لو بتعشقى ورده مثلا , حاتقطفيها وتاخديها تحطيها جوه كتاب وتقفلى عليها ...... انما لو بتحبيها , حاتروحى كل يوم 
  تسقيها , ومش حايهمك انها مش بتاعتك , وان صاحبها حد غيرك .....
بدأت علامات الارتياح تظهر على وجه إبنتى شيئا فشيئا  .... ولكنها لم تكن مستعده بعد لان تقول لى نعم انها احدى صديقاتى ,
او ان تقول لى ضيقى ليس له أى علاقه بما تقول ....
كانت تريد المعلومه .. ولكنها ليست مستعده لطلبها ...... لابد ان أجعلها تشعر انها مصدر ثقتى حتى اصبح مصدر ثقتها ......
- عارفه مامتك فاكره انها اول واحده حبيتها فى حياتى .... انما الحقيقه وانا فى الجامعه كنت بحب واحده زميلتى ..... وهى كانت
  بتحبنى ... وكنا متعاهدين على الجواز .... ولكن اتقدملها واحد احسن منى .. انا كنت لسه بادرس والمشوار قدامى طويل .. هو
  كان بيشتغل شغله محترمه , ودخله كويس , وعنده شقه , وعربيه ...... فى الأول كنت زعلان جدا .. وكنت بابكى وحزين .....
  وماكنتش باكل والا باذاكر .. كنت على وشك انى اضيع مستقبلى ...... خصوصا لما عرفت انها موافقه عليه .....
  وبعدين حسيت انى أنانى ... مش بافكر الا فى نفسى وبس , مش بافكر فى سعادتها ... إذا كانت سعادتها مع غيرى , يبقى لازم 
  تبقى مع غيرى .... هى مش أخر بنت فى الدنيا .. اكيد ربنا كاتبلى اللى احسن منها ...
  روحت قولتلها ربنا يسعدك من قلبى .... كبرت فى نظرها واحترمتنى جدا ... وأنا بالتدريج نسيتها ... وركزت فى دراستى علشان
  اتفوق واثبت لنفسى انى ممكن اتجوز اللى احسن منها .... وفعلا اتجوزت مامتك ... احسن انسانه فى الدنيا ....أوعى تقوليلها ...
ضحكت ابنتى ضحكه كبيره وقالت :
- تدفع كام ؟؟؟
كنا قد وصلنا الى المتجر الذى تريد ابنتى شراء تليفونها منه ... ماان دخلنا المتجر حتى وجدتها تتعلق فى ذراعى وتضم جسدها بشده الى جسدى .... وكأنها تريد ان تقول للعاملين هذا هو أبى ...... مع اننى كنت أعتقد انها ستخجل من اصطحابها لابيها معها لشراء أغراضها فى هذا السن كما هو سائد ...... كانت اول مره تفعل فيها ذلك ....
لا أعرف ماأذا كنت قد اكتسبت ثقتها ... أو ان كنت قد اصبحت صديقا جديدا لها .....ولكنى بالتأكيد قد اقتربت خطوه كبيره منها .. 
إنها بالتأكيد لن تبوح لى بأسرارها ..... ولن تشاركنى أفكارها .... ولكنى أعتقد انه لو وقعت فى مأزق او مشكله فإنها سوف تلجأ الى ... لن تذهب لأحدى صديقاتها .


No comments:

Post a Comment