Tuesday, December 1, 2015

(5) شَهامةً

          
          
           هذه هى المره العاشره التى اشاهد فيها Schindler's List  )
هذا الفيلم القوى الذى يحكى مافعله هتلر باليهود ....
فى كل مره كنت اشاهد فيها هذا الفيلم .. كنت أتذكر صديقى ميشيل ... هذا
الشيف اللبنانى الرائع .. الذى عملت معه مره فى الصيف .. فى جزيره
قبرص عندما كنت طالبا ....
كانت المره الاولى التى شاهدت فيها هذا الفيلم ... عندما دعانى ميشيل مره الى
           شقته لنشاهده سويا ...
           رحبت بالطبع ... فأنا احب الجلوس معه والتحدث اليه ...
جلسنا ثلاثه ساعات متواصله نشاهد الفيلم ... دون ان ينطق احدنا بحرف ...
وعلى الرغم من انها ليست المره الأولى التى يشاهده فيها ميشيل ... إلا أنه كان
يشاهده وكأنها المره الاولى ....
ماان انتهى الفيلم حتى قال لى ميشيل :
-  لقد أردتك ان تشاهد هذا الفيلم لسببين ... لأعرف رأيك فيه .... ولأنه مرتبط
   عندى بذكرى جميله ... لم اقصها على احد مطلقا  ... واريد ان احكيها لك ...
          -  احكى لى ذكرياتك اولا وبعدها نتحدث عن الفيلم ...
   إعتدل ميشيل فى جلسته ... ثم نظر الى السقف قليلا ثم ابتسم وقال :
          -  كنت قد بدأت العمل فى مطعم - بار كبير ...  ثلاثه ادوار ...  يعمل ٢٤ ساعه فى
             اليوم ...عشرات البنات الجميلات يعملن فى جميع الاقسام ..
             كان لدى وحدى ١٤ منهم يعملن فى المطبخ ... مابين طباخات و مساعدات و
             غاسلات اطباق ...
             ولكنها كانت اكثر واحده لفتت انتباهى ... كانت طويله ونحيفه ... حاده الملامح ..
             تعبيرات وجهها قاسيه ...قد يمر اليوم كله ولا تسمع لها صوتا ... عيناها
             حزينتان ... أو على الاقل لا ترى فيهما بهجه أو سعاده ...
             كانت تغسل الاطباق ... مع أنك لو شاهدتها خارج المطبخ ... ستعتقد أنها مديره
             أحد الأقسام ...
  عرفت من مساعدتى .. مدام ليتسا .. أن اسمها جاستين ... وأنها من بولندا ...
             وعندها ٢٨ سنه ... وأنها على علاقه بشاب قبرصى .. وتعيش معه فى منزله..
             وأنها صديقه حميمه لمدام ليتسا وتحكى لها كل شئ .....
             لم يحتاج الامر طويلا لكى اتحدث معها ... فأنا رئيس المطبخ .. والجميع يأتون
             إلى فى كل صغيره وكبيره ...
             بدأت اتودد اليها ... واصبحنا نتحدث كثيرا .. ولكنها دائما كانت تتحدث بحذر
             وقدر المطلوب ..
             كان واضحا أنها تكلمنى بصفتى وليس بشخصى ... وكان واضحا أنها لاتهتم بى
             أو بأى شخص اخر .... 
             كل ماقالته لى عن نفسها .. أنها أتمت دراستها فى كليه الحقوق .. فى بولندا ..
             لتصبح محاميه مثل ابيها .. ولكنها تحتاج للكثير من المال لتؤجر مكتب خاص
             بها .. وتبدأ حياتها العمليه ....  لذلك حضرت للعمل فى قبرص ....
          -  محاميه وتقبل بغسيل الاطباق ؟؟؟
          -  اذا كنت فى بلد اجنبى ولا تتحدث لغه سكانه فليس امامك اختيارات كثيره ..
          -  اكمل .. اكمل ...
          -  مرت الأيام .... إلى أن جاء يوم فؤجئت بمدام ليتسا تتصل بى ... وتطلب منى
             الحضور إلى المحل ... مع انه كان يوم اجازتى ...
  كانت شقتى قريبه جدا من المحل ...  يفصلنا شارع واحد ... كانت الشقه تابعه
             لأصحاب المحل ... أعطونى إياها لاسكن فيها ... بلا مقابل طوال فتره عملى
             لديهم لاننى لست من نيقوسيا .. وليس لدى مكان اقيم فيه هناك ...
  ذهبت الى المطبخ ... فقابلتنى مدام سولا وطلبت منى ان نذهب الى صالون
             المحل ... لندخن سيجاره وتخبرنى فيما تريدنى ..
          -  لقد دبت مشاجره عنيفه ليله أمس .. مابين مايكا وصديقها القبرصى ...
             وطردها صديقها من منزله ...
          -  كنت دائما أحس أنها غير سعيده معه ..
          -  كانت تعتزم البقاء فى محطه المترو حتى الصباح ... ولكنها خافت فإتصل
             بى ...  فذهبت واخذتها الى منزلى .. ونامت لدى امس ... واليوم تريد أن
             تستأجر شقه بإى حال من الاحوال ... وكما تعرف هى لاتتكلم اليونانيه ...
             وانت الوحيد الذى يمكنه مساعدتها ... فهى لا تعرف أحدا غيرنا ... واليوم
             أجازتك ... وأنا لدى عمل ...
          -  بالتأكيد ..
          -  هل يمكنك أن تأخذها وتذهبوا لشراء الصحيفه ...  وتبحث لها عن شقه خاليه
          -  سوف انتظرها بالخارج ... اطلبى منها ان تلحق بى ..
             هل سيبتسم لى الحظ هذه المره !!! 
             هذا ماكنت أحدث به نفسى .. وهى تجلس إلى جوارى على أحد المقاعد الطويله
             فى الحديقه المجاوره  ....  بعد أن إشترينا الصحيفه ... 
             بدأت اتصفحها ... واضعا دوائر وخطوط حول إعلانات الشقق التى للإيجار فى
             المنطقه التى تريد أن تسكن بها ...
             ماأن بدأت بالإتصال بأصحاب الشقق حتى بادرتنى بقولها :
          -  سوف أدفع لك ثمن هذه المكالمات ...
          -  لا تحملى هم المكالمات ... المهم هو أن نجد لك شقه ..
             إتصلت بمالا يقل عن ٢٠ إعلان .. ولكن للاسف .. لم نجد شقه بالمواصفات التى
             تريدها .. أو السعر الذى تستطيع أن تدفعه .....
             كانت حزينه للغايه ... ولكنها لم تسمح لنفسها أن تبكى .. أو أن تظهر ضعفها امام
             أى أحد ... وجدتنى وبدون ان افكر اقول لها :
          -  مارأيك ... إن شقتى قريبه للغايه من هنا ... أسكن بها وحدى .. هى صغيره
             للغايه ... عباره عن غرفه واحده ... وحمام صغير ... ومطبخ صغير .... بها
             سرير واحد .. عليه مرتبتان ... سوف أضع إحداهن على الارض ... أنام أنا
             عليها ... وسوف أترك لك أنت السرير ... لتنامين عليه مؤقتا حتى نجد لك
             شقه !!!!!
             نظرت إلى فى شك .. تحاول إستيعاب ماقلته ... وتتسأل بينها وبين نفسها إن كان
             هذا العرض مجانيا ... أم أننى سأطلب منها مضاجعتى نظير ذلك ...
             فهمت مايدور بذهنها .. فقلت لها :
          -  اسمعى .. إعتبرينى صديق لك ولا تخشى شيئا .. لن ألمسك يوما مادمت
             قيمين فى شقتى ... أعاهدك على ذلك ..
             كان من الواضح أنه لم يعد لديها الخيار ... فهى لن تنام فى الشارع .. ولن تذهب
             الى بيت مدام ليتسا مره أخرى .... وليس لديها أى مكان تذهب اليه ... فوافقت...
             ثلاثه شهور ياصديقى عشناها سويا فى شقتى ..
          -  ثلاثه شهور !!!!
          -  نعم ...... كنا كل يوم نبحث عن شقه ...  ونتصل بكل إعلان فى الجريده ... ولكن
             القدر أراد أن  يمنحنا وقتا نقضيه معا ..
          -  وماذا حدث !!!
          -  أصبحنا اصدقاء للغايه ... نحكى لبعضنا البعض كل شئ ... كنا نقضى معظم
             الليالى فى الشقه ... نحتسى البيره ونتسامر ونضحك .... كانت معتاده على
             الشراب ...  والخمر لا تؤثر فيها على الاطلاق ...
             وأنا لا اخفى عليك كنت أشتهيها ... وكنت أتمنى أن تصل الى الثماله يوما ...
             وتأتى إلى فراشى وحدها ...... فقد إحترمت وعدى لها ...  وعاهدت نفسى ألا
             ألمسها مادمت فى بيتى ... 
          إبتسمت وأنا أنظر اليه نظره خبيثه ثم قلت :
          -  اكمل .... اكمل ...
          -  كنت أذهب مره كل شهر إلى البلد التى أقيم فيها فى الشمال ... وأخذ معى كل
             ملابسى أغسلها وأكويها .... وأدفع إيجار الشقه وأسدد فواتير الكهرباء .. الخ
             ولكن  منذ أن أقامت معى مايكا .. لم أذهب ولا مره ..... وبدأت ملابسى
             النظيفه تنفذ ... فلم يكن لدي غساله كهربائيه  ... والغريب انها كانت تفعل
             نفس الشئ ... كانت تتكاسل عن غسل ملابسها .....
             ولم يعد لدينا مانرتديه ....
             كنت احس فى كثير من تصرفاتها أنها تريدنى هى ايضا ... ولكنها لاتجرؤ على
             القيام بالخطوه الاولى ...
  نفذت ملابس الداخليه النظيفه ... وكانت تعلم ... وكنت أختبئ وراء الباب ...
             فى كل مره اريد ان ابدل فيها ملابسى ....
             إلى أن جاء يوما كنا جالسين فيه فى الشقه ليلا .. وكنا قد إحتسينا الكثير من
             علب البيره ... ووجدتها تقول لى أن جاكيت المطر الخاص بها اصبح لا
             يطاق ... وأنها تريد أن تغسله  بيديها ... وطلبت منى أن أذهب معها إلى
             الحمام لاساعدها فى ذلك ...
             فذكرتها أننى لا أرتدى ملابس داخليه ... وأنها لو بللت سروال البيجاما الذى
             ارتديه ... فلن يكون امامى إلا أن أتجول عاريا فى الشقه ... فقالت لى لاتخف ..
             أقسم لك أنها تعمدت أن تفعل ذلك .... لقد أغرقت سروالى بالمياه الغزيره .....
             لم أصدقها عندما قالت لى أنها لم تقصد .... فقد شاهدت عيناها تلمع .. وإبتسامه
             خبيثه على طرف شفتيها ....
          -  وماذا فعلت !!
          -  إضطررت لأن ألف ملاءه السرير حول جسدى ...
             ولكنها لم تستسلم ... وجدت حيله أخرى ... أخبرتنى أنها جائعه ... وتوسلت إلى
             أن أذهب لشراء شيئا لتأكله ....
  كان يجب ان أنزع عنى الملاءه لكى أرتدى ملابسى .... لم أذهب لأختبئ وراء
             الباب ... وهى لم تنظر الى الإتجاه الأخر ... كانت عيناها مسلطه على ......
             وكانت الفرصه التى كنا ننتظرها ...  والفرصه التى لن تعوض ..... والتى لاأعرف
             حتى الأن لماذا ضيعتها ... ولماذا لم أفعل أى شئ ...
             ولو سألتها فأنا متأكد أنها ستقول لك نفس الشئ....
  أخذنا ننظر إلى بعضنا البعض ... ولم يجرؤ أحدنا على أن يأخذ خطوه تجاه الأخر..
          -  لا أصدقك ..
          -  أقسم لك أن هذا ماحدث ..
  أخيرا وجدنا شقه مناسبه لها ... كنت أنا حزين جدا ... لم أريدها أن تغادر ...
             كنت قد تعودت عليها واصبحت جزء من حياتى ....
  ساعدتها فى الإنتقال إلى شقتها ... وفى إعدادها .... وكنا نلتقى كثيرا ... فقد
             تركت هى العمل معنا .. وذهبت إلى مطعم أخر ... ولكنها كانت تحضر إلى شقتى..
             وأحيانا تقضى الليل معى ... وكنت اذهب إليها ... واحيانا كنا نخرج سويا لتناول
             العشاء فى مكان ما ...
  وفى يوم كنت فى أجازه ... وذهبت إليها ... وبدأنا نحتسى الكثير من علب البيره
             ونتحدث ...
             وصارحتنى لاول مره بأنها لم تقترب منى ... طوال فتره إقامتنا معا .... لإننى
             طلبت منها أن نكون اصدقاء ...
             وكدت ألقى بنفسى من الشرفه من الغيظ  ....
  وأخذت أشرح لها أننى قلت ذلك حتى تطمئن اننى لن اضايقها .. أو أطالبها
             بمعاشرتى ثمنا لإقامتها معى ..... إلى أخره ....
             وكانت الفرصه الثانيه ... فرصه رائعه بكل ماتحمله الكلمه من معانى .... كنا
             جالسين على سريرها ... وطلبت منى أن اقوم بتدليك ساقيها لانهما تؤلماها
             من كثره الوقوف فى العمل ....
             ماأن بدأت حتى أخذ تليفونى يدق بإلحاح ... المره تلو الأخرى بلا توقف ....
             مره أخرى القدر لا يريد لنا أن نذهب أبعد من ذلك .....
  كانوا يتصلون بى من المحل .. أناس مهمين جدا يتناولون العشاء فى المطعم
             وصاحب المحل شخصيا يجلس معهم ... ويريدنى أن اذهب إلى المطعم وأعد
             لهم طعام العشاء بنفسى ..
             وعبثا حاولت التملص بحجه أنه يوم اجازتى ... فقد توالت التليفونات كل
             دقيقتين من مدير المحل .. لم يكن هناك مفر ... فإضطررت لاتركها ... وأسرع
             بالذهاب إلى المطعم ...
             وكنت فى غايه الثماله ... ولكنى أرضيتهم وأعجبهم العشاء ...
  وأغلقنا هذا الباب الى الأبد ... فلم نحاول مره اخرى أن نقترب من بعض
             عاطفيا أو جسديا .....
          -  لماذا ؟؟؟؟؟
          -  لا أعرف ياصديقى .... حقيقتا لا أعرف ....
  بعد ذلك طلبت منى فى يوم أن أذهب الى بيتها ... كانت قد دعت الكثير من
             صديقاتها البولنديات ... وأخذت تقص عليهم ما فعلته معها ... وأخذت تشكر
             لهم فى ... وأنه ليس هناك أناس مثلى فى هذه الأيام ... الخ
  يومها تحدثنا جميعا حول مافعله هتلر فى اليهود .. وأخذوا يصفون لى السجون
             التى لازالوا يحتفظون بها فى بولندا ... بكل مافيها من بقايا المحارق ...
             وأكوام الشعر ... والنظارات ... والساعات ...
             والملابس التى كانوا ينتزعوها من اليهود قبل حرقهم ....
             تلك المحادثه يومها جعلتنى أشاهد جميع الافلام التى تناولت ذلك الموضوع ..
             ولكن فيلم ( Schindler's List ) جعلنى أبكى ... على الرغم من كراهيتى
             لليهود ...
          -  أنا ايضا بكيت عندما شاهدته .... ليس لأحد الحق فى أن يحرق الناس أحياء بهذا
              الشكل ...
          -  نعم ...
          -  وهل مازلتم تتقابلون ؟
          -  لقد مرت عشر سنوات على هذه القصه .... لازلنا اصدقاء .. ولكننا لم نعد نتقابل 
          إبتسمت له وانا اهم بالإنصراف قائلا :
-  شكرا لك على دعوتك ..... وشكرا لك على مشاركتى ذكرياتك الجميله . 


No comments:

Post a Comment