Monday, December 28, 2015

(24) مُجازَفة





كنت على موعد مع سيده شابه .. معيده بجامعه القاهره حسبما قالت لى .. أمام مكتب رئيس النيابه العامه لكى أتولى حضور
التحقيق مع والدها .. مدير أحدى البنوك .. والمتهم فى قضيه إختلاس ....
وجدتها بأنتظارى أمام الباب ... كانت فى أوائل العشرينات .. أنيقه جدا .. ويبدو على ملامحها أنها من أسره راقيه ... 
كانت تحبس دموعها .. ولكنها كانت تنتفض .. وكلماتها متحشرجه ترتعش بين شفتيها ....
قمت بتهدئتها  قليلا .. ووعدتها أننى سوف أجد له مخرجا من ورطته .... وطلبت منها أن تنتظر ريثما أدخل إلى رئيس النيابه
لأحصل منه على تصريح بزياره والدها والتحدث اليه قبل المثول للتحقيق .... فطلبت منى أن أحصل لها على تصريح لرؤيته ..
فأخبرتها أنهم لن يسمحوا لأحد بالتحدث إليه فتره التحقيق سوى محاميه فقط .... وعليها أن تنتظر ....

جلسنا فى قاعه خاليه وحدنا لنتحدث .... كان فى الخمسينات .. وسيما ... أنيقا فى ملبسه .. متماسكا برغم الحزن الشديد 
البادى فى عينيه .... طلب منى سيجاره لأن سجائره قد نفذت .... كنت دائما أحمل فى حقيبتى علبه إضافيه فأعطيتها له .... 
- أنا لا تهمنى نفسى ... فليفعلوا بى مايفعلون ... أنا قلق جدا على مستقبل إبنتى .... أخشى أن أكون قد دمرت حياتها ...
تلألأت الدموع فى عينيه ولكنه حبسها .... كنت أود أن أقول له .. أليس الوقت متأخرا على ذلك ... ولكنى أستحيت أن أوبخه
وهو فى حالته هذه ....
- سيدى ... فلتقص على ماحدث حتى يمكننى مساعدتك .... فقد تكون الفرصه مازلت أمامنا لإصلاح الأمور ....
- هناك الكثيرون من العملاء يضعون أموالهم بالبنوك ولا يخبرون أحد من أقاربهم بوجودها ... ثم تأتيهم المنيه .... فتظل هذه
  الأموال فى البنوك لا يستطيع أحد سحبها ...... هل تعلم ذلك ؟
- نعم .... قرأت مره موضوعا فى هذا الشأن ....
- إنها مبالغ ضخمه ياسيدى ... لن تصدق حجمها ... 
  لقد أرقنى وجود كل هذه الأموال بلا صاحب والكثيرون من الفقراء فى إحتياج لها .... فقمت بتحويلها إلى حسابات بعض دور
  الأيتام  وبعض دور المسنين وبعض المستشفيات وبعض الملاجئ ....
- كلها ؟؟؟
- كل ماأطمئننت أن لا صاحب له .... فقد كنت أقوم بتحرى طفيف عن هؤلاء العملاء ... حيث أن التحرى الدقيق غير متاح عبر
  الإنترنت وسوف يستغرق وقتا طويلا ....
  تمت العمليه بنجاح تام .... ولم يشعر أحدا بشئ .... فقررت أن اقوم بها فى البنوك الأخرى .... لم تكن المهمه بالسهوله التى
  كانت عليها فى البنك الذى أعمل به على الإطلاق .... ولكنى تمكنت من القيام بها .... وحصلت للفقراء فى جميع محافظات
  مصرعلى مبالغ لا بأس بها .....
- هل أنت هاكر سيدى ؟
- مصطلح هاكر أصبح مرتبط بالسرقه والتخريب .... وأنا لست بلص أو مخرب ..... لقد درست برمجه الكمبيوتر لكى تساعدنى
  فى عملى وتفوقت فيها .... واستطيع إختراق أى بنك وأى حساب .....
- وكيف أكتشفوا أمرك ؟
- لم يكتشف أمرى أحد .... لقد مضت أربعه سنوات على ماأخبرك به ..... ولم يكتشفه أحدا حتى الأن ....
- إذن فماذا حدث .... لماذا أنت متهم بالإختلاس !!!!
- خلال بحثى عن الحسابات التى ليست بها حركه سحب أو إيداع لفتره طويله .... إكتشفت بطريقه الصدفه فى أحدى البنوك
  حسابات بأرقام سريه بها مبالغ ضخمه للغايه ..... لا يمكن أن تكون لأناس عاديين ....
  لم يعننى الأمر فى البدايه .... وإنشغلت فيما جئت لأجله ..... ولكننى بعد فتره وجدت كل هذه الأموال قد تم إرسالها إلى بنوك
  فى سويسرا .... هنا بدأت أهتم بهذه الحسابات ....
- هل تعلم أصحاب هذه الحسابات ؟
- لا يعرف أحد أصحاب هذه الحسابات سوى مدير البنك الموجوده به .... قد تكون لشخصيات ذات نفوذ فى الدوله ... وقد تكون 
  أموال عصابات تتاجر فى المخدرات أو الدعاره أو الإتجار بالأعضاء البشريه مثلا .... أى شئ محتمل .....
- وهل أخترقت البنوك السويسريه ؟
- لم يخطر ببالى قط ..... لأن البنوك السويسريه هى التى تسعى وراء ألأموال القذره وتحميها وتستولى عليها بمجرد وفاه
  أصحابها .... فهى تضعها فى حسابات سريه وتشترط على اصحابها عدم أطلاع أحد علي الأطلاق .... لا على الحسابات 
  ولا على الأرقام السريه .... وبذلك تؤول هذه الأموال ألى البنوك نفسها بوفاه أصحابها .... وهى محميه بطرق يستحيل
  أختراقها .... 
  الذى حدث أننى كنت أتابع هذه الحسابات هنا فى مصر يوميا .... إلى أن وجدت مبلغ كبير وضع فى أحدها ... فقمت بسحبه
  ووضعه فى حساب وهمى .... لأرى ماذا سيحدث .... فإتضح لى أنه هناك من هو أفضل منى فى هذا المجال .. وإنكشف أمرى 
- حساب واحد فقط هو الذى قمت بالإستيلاء عليه ؟
- نعم ...
- متى حدث ذلك ؟
- أمس ...
- ومتى وصلوا إليك ؟
- بعد ثلاثه ساعات ...
إستغرقت فى التفكير لبعض الوقت .... وأخذت أقلب فى جميع ألإحتمالات ... يبدوا أنه رجل على قدر كبير من الذكاء ... ولكنه
أوقع نفسه فى ورطه كبيره لن يخرج منها بدون خسائر بإى حال من الأحوال ....
- إسمعنى سيدى .... لحسن حظك أنك لم تستولى إلا على حساب واحد .... ولحسن حظك أنك لم تضع الأموال فى أى من 
  حسابات المؤسسات او الجمعيات الخيريه .... ولحسن حظك أننى أعرف بعض الأشخاص من ذوى النفوذ ....
  وبناء عليه ... فهذه هى إختياراتك ....
  إما أن تتراجع .. وتتصالح ... وتعتذر .... وتعيد تلك الأموال لصاحبها .... وسوف أقوم ببعض الإتصالات للتمهيد لذلك ...
  وبعدها تقدم أستقالتك من البنك .... وسوف يؤثر ذلك على معاشك ومكافأه نهايه الخدمه ..... وقد يستلزم الأمر أن تكتب 
  على نفسك تعهد بعدم الدخول على مواقع البنوك وعدم العبث بمحتواياتها .....
 وإما أن تنكر كل شئ ... ونذهب إلى المحاكمه ..... قد استطيع أن أنقذك من الوقوع تحت طائله القانون .... ولكنى لن 
 استطيع أن أنقذك من صاحب الأموال .....
- إنهم لا يستطيعون إثبات أى شئ .... عليهم أن يعترفوا بوجود هذه الأموال الغير شرعيه فى البنك .. وعليهم أن يعلنوا عن
  صاحبها ... ثم عليهم أن يثبتوا أن التحويل قد تم من خلال جهازى أنا ... وقد مسحت كل شئ ....
- أعتقد سيدى أنك لازلت تحت وقع الصدمه ... وربما أنت فى حاجه إلى فنجان من القهوه ... حتى تستعيد تفكيرك العقلانى ..
  قل لى سيدى .... هل توهمت أنه يمكنك إحقاق الحق .. وإرساء العدل ... وأصلاح الفساد ؟
- لبعض الوقت ... نعم .... فكرت فى أنه ربما قد حانت لى الفرصه للقيام بعمل نبيل ...
- إسمعنى سيدى ... أنك أنسان محترم .. وذكى ... وسيكون من المؤلم أن أراك ملقى فى السجن ....  سوف أقوم بالإتصال 
  ببعض أصدقائى .. وسوف أحصل لك على تصريح بدخول المستشفى نظرا لحالتك الصحيه التى لا تسمح بالتحقيق معك فى
  الوقت الحالى ... وسوف أحصل لإبنتك على تصريح لزيارتك فى المستشفى .... هذا سوف يعطيك يوما أو يومين للراحه ..
  وللتفكير بهدوء ... وإستشاره إبنتك .... وترتيب جميع الأولويات ......
  ثم أبلغنى بقرارك حتى أستطيع البدء فى الأجراءات .

No comments:

Post a Comment